عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
196
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
آخر ليحبه أو يتعلق به ، فلما خلقت المخلوقات ورده اللّه تعالى إلى أسفل سافلين القالب تكدر صفوه بظلمات المخلوقات وتبدل أنسه بالوحشة وقربه بالبعد ، وتغيرت تلك المصافات بينه وبين ربه تعالى إلى أن أدركته العناية وهبت نفحات الألطاف الربوبية ودعته إلى إقامة العبودية متعرضا لتلك النفحات بجميع الحركات والسكنات تاركا للشهوات معرضا عن محال الآفات وسالكا في المقامات ملازما لتزكية النفس مداوما على تصفية القلب راغبا في تحلية الروح ، لا يزال يصفي الأوقات عن شوب الأكدار بتصفية القلب عن أقذار النفس وتحلية الروح بأوصاف الحق ، فيزهق باطل الآفات والموانع والحجب ، ويعود إلى تلك المصافات ، فلما صافي العبد مع ربه برعاية العبودية صوفي عن كدر الوجود بعناية الربوبية ، فهو فان عن أنانيته باق بهويته ، فصار الصوفي باسم علمه ، وهذا معنى قول الجنيد وقد سئل عن الصوفي فقال : هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به . وكذلك معنى قول الحصري : الصوفي لا يوجد بعد عدمه ولا يعدم بعد وجوده يعني الصوفي هو الفاني عن أنانيته المعدوم عن وجوده المجازي الباقي بهوية ربه الموجود بوجوده الحقيقي الذي لا يعدم . وكذلك معنى قول الشيخ أبي الحسن الخرقاني : الصوفي غير مخلوق يعني قد فني منه ما كان مخلوقا فهو الباقي ببقاء اللّه تعالى الذي لا يعدم . فنسبة الصوفي إلى معنى الصفاء بهذا الاعتبار أولى واللّه أعلم . ثم اعلم أن التصوف مع كثرة الأقاويل فيه مبني على ثلاثة أصول : خروج وعروج وولوج . فأما الخروج : فهو الخروج عن الدنيا ومطالبات النفس عنها . وأما العروج : فهو العروج إلى أعلى مراتب العقبى وملاحظات القلب منها . وأما الولوج : فهو الولوج في التخلق بأخلاق اللّه والفناء فيها . فالصوفي اسم جامع لمن أدى حق كل مقام وحظي عن كل حال سني واللّه أعلم . ومنها الأدب : قال اللّه تعالى عز وجل : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) [ النجم : 53 ] قيل : حفظ آداب الحضرة وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن اللّه أدبني فأحسن تأديبي » « 1 » .
--> ( 1 ) أورده المتقي الهندي ، كتاب الشمائل ، شمائل متفرقة ، حديث رقم ( 18669 ) .